عبد الملك الجويني

274

نهاية المطلب في دراية المذهب

بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من باع عبداً ، وله مالٌ فماله للبائع " ( 1 ) . فإضافة المال إلى العبد شاهدة لثبوت المِلكِ . وللتأويل توجّه ظاهر على اللفظ . التفريع على القولين : إن قلنا : لا يُتصوّرُ أن يملك القِنُّ ، فلا كلام ، والتمليك لاغٍ من السيد . وإن قلنا : تمليك العبد القِنِّ صحيحٌ ، فمِلْكُه جائزٌ معرض لاسترجاع المولى متى شاء ، ولا يملكُ العبدُ شيئاً من التصرفات بحق الملكِ الذي ثبت له ، حتى يأذَنَ السيد فيه . وهذا وفاقٌ . وهل يتسرَّى العبدُ الجاريةَ ( 2 ) التي ملّكه السيدُ إيّاها ؟ نُظر : فإن أَذِن له في التسريّ ، فالذي ذهب إليه الجمهورُ من الأصحاب أن له أن يتسرى بالإذن . وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا يتسرّى مع الإذن ؛ فإن الوطءَ يستدعي ملكاً كاملاً ، وملكُ العبد غيرُ كاملٍ . وإن لم يأذن السيد للعبد في التسري ، فمُطلَقُ التمليك لا يُسلّطه على التسرّي عند معظم الأصحاب . وذكر بعضهم وجهاً آخر أن مطلَقَ التمليك يفيد جواز التسرِّي وإن لم يجرِ فيه إذنٌ . وهذا ضعيفٌ مع اتفاق الأصحاب على أن مطلَقَ التمليكِ لا يُسلّط العبد على التصرفات ؛ والتسري تصرفٌ من التصرفاتِ ، ولعل صاحبَ المذهبِ يطرد مذهبَه في أكل الطعام المملّكِ وشُرب الشراب . وإنما يسلِّمُ افتقارَ العقود إلى الإذن . فإن طرد إذنَه في التصرفات جُمَع قياساً على المتّهبِ الذي يَثبت للواهب حق الرجوع فيما وهبَهُ منه ، فهو بعيدٌ لم أره لأحدٍ . وأكْثَرَ الأصحابُ في تفريع أحكام المِلكِ ، ولا معنى لها ، والشرط التعرض لما يختصُّ بملك العبد القِنّ .

--> ( 1 ) حديث من باع عبداً وله مال . متفق عليه من حديث ابن عمر ، البخاري : كتاب الشرب والمساقاة ، باب الرجل يكون له ممرّ أو شرب ، ح 2379 ، ومسلم : البيوع ، باب من باع نخلاً عليها تمر ، ح 1543 ، الرقم الخاص ( 80 ) ، وانظر ( تلخيص الحبير : 3 / 72 ح 1224 ) . ( 2 ) الجارية مفعول يتسرّى ، فالفعل يتعدى بغير الباء : تسرّى الشيءَ : اختاره ( معجم ) .